السبت 20 يوليو 2024

الجزائر تتخطى “عتبة” السياحة الداخلية و”تقفز” للعالمية

الجزائر

تخصيص ميزانية ضخمة فاقت 24 مليار دج لترميم القصبة

ⓒ الإخبارية
  • مواقع تاريخية وأثرية هامة بالقصبة تحاكي الزمن الجميل

تزخر الجزائر بمؤهلات وإمكانيات سياحية هائلة عبر مختلف مناطق الجمهورية، على غرار تلك الموجودة بالعاصمة الجزائرية، أبرزها حي القصبة العتيق، هذا المعلم التاريخي الهام الذي لا يزال شاهدًا حيًا على تاريخ الجزائر العريق.

لا يختلف اثنان عن جمال وعراقة “حي القصبة العريق” بالجزائر العاصمة، التي صنفتها منظمة “اليونسكو” من التراث الإنساني عام 1992، حيث لا يكاد زائرًا يدخل للعاصمة لا سيما السياح الأجانب إلا وقصد حي القصبة، وتجول عبر أزقتها العريقة واستمتع بجمالها وعبق تاريخها الكبير، الذي يروي ألف حكاية وحكاية، فأزقة القصبة لا تكاد تخلو من حكايات وحكايات، فجدرانها شاهدة على عظمة الثورة الجزائرية، وكفاح الشعب الجزائري إبان الثورة ليتنفس الجزائريون اليوم الحرية.

وفي السياق، قررنا إنجاز روبورتاج حول حي القصبة العريق وذلك سعيًا منا لإبراز المقومات الهامة التي تزخر بها الجزائر في القطاع السياحي، على سبيل المثال لا الحصر، “قصبة الجزائر”، هذا المعلم السياحي الهام الذي أصبح صيته عالميًا ويستقطب عددًا هائلًا من السياح الأجانب.

“خداوج العمياء”.. الجمال والتراث

كانت الساعة الثامنة صباحًا عندما وصلنا الى ساحة الشهداء وعبر أزقتها المكتظة، توجهنا إلى قصبة الجزائر لإنجاز روبورتاج حول هذا المعلم التراثي التاريخي العريق، الذي يحاكي تاريخ الجزائر والتراث والأصالة والحضارات التي مرت منها.

والبداية كانت بالمتحف العمومي للفنون والتقاليد الشعبية أو ما يسمى “خداوج العمياء”، دخلنا المتحف.. التحفة المعمارية التي تحكي أسطورة “الجميلة” التي أفقدها جمالها بصرها، وعبر أركانه العديدة وتراثه العريق تلقينا شروحات حول تاريخ المتحف وحكاياته الشيقة.

وفي هذا السياق، أكدت محافظة التراث بقصر خداوج العمياء، أن القصر تم بناؤه حسب الروايات سنة 1570، حيث يعود لحسن الغزناجي، وزير الداي آنذاك، حيث كانت له ابنة فائقة الجمال توفيت بسبب جمالها، واختلفت الروايات حول موت الجميلة “خداوج العمياء”، بين من يقول أنها قتلت من طرف الخادمة وأخرى بسبب استعمالها لـ”كحل العيون السام”.

وأضافت المسؤولة ذاتها، في إفادة لـ”الإخبارية“، أن بناء القصر ذي طابع معماري يخص البحر الأبيض المتوسط، وبلمسة عثمانية، وفيه الزليج الجزائري، كما تحول القصر خلال الاستعمار الفرنسي إلى مكان للإقامة فيه، وعرف الكثير من التحولات، حيث سكنته القوات الفرنسية، ويضم أشياء نادرة تعود إلى سنوات غابرة مرت، ويضم صور نادرة وحرف أثرية، مجموعة من الزرابي، الحرف، تحف نادرة، ومجموعة المجلود التي تعود للحقبة العثمانية.

المتحف الوطني للزخرفة والمنمنمات.. فسيفساء لعدة أزمنة

وكانت المحطة الثانية من جولتنا الاستكشافية لقصبة الجزائر، المتحف الوطني للزخرفة والمنمنات، أو قصر مصطفى باشا، القصر الذي يعد من روائع العمارة الإسلامية التي تعود إلى العهد العثماني، حيث تم إنهاء بناءه في عهد الداي مصطفى باشا سنة 1214 حسب اللوحة التأسيسية له.

القصر أو المتحف أقام فيه الداي مصطفى باشا مع عائلته وخدمه، فكان يلجأ إليه مرة في الأسبوع برفقة حرسه الشخصي، حيث يعد المتحف من بين أجمل البنايات بالقصبة الذي يستهوي السياح بشكل كبير.. طراز معماري خاص تحفة تجاوز وجودها أزيد من 100 سنة، تضم جدارنه العريقة أشكالًا هندسية وزخرفية بتصميم نادر استخدمت فيها 500 ألف قطعة خزفية فاخرة رسمت أجمل صورة.

وفي السياق، كشفت على بالي سعيدة، مسؤولة محافظة التراث، ورئيسة قسم الورشات والتخطيط البيداغوجي، بالمتحف الوطني للمنمنمات، أن المتحف يستقطب يوميًا مئات الزوار، من مختلف الفئات العمرية ومن ضمنهم سياح أجانب أيضًا، خاصة خلال شهر جوان، جويلية وأوت.

وبلغة الأرقام، أوضحت المسؤولة ذاتها، في تصريح لـ”الإخبارية”، أنه تم إحصاء خلال شهر أوت 2023 لوحده تسجيل أزيد من 23 ألف زائر، أربعة آلاف منهم أجنبي من مختلف الجنسيات.

ونوهت المسؤولة ذاتها إلى أن المتحف الذي يقع في القصبة السفلى وهي الواجهة الأولى في مدخل القصبة، يحكي تاريخ الجزائر والدولة العثمانية ويجذب الزوار على مدار السنة خاصة في فصل الصيف.

عيون القصبة.. منابع تروي حقائق “ثابتة

وبين أزقة القصبة، وبين أحيائها يشد نظرك عيون ومنابع للمياه زينت بألوان مختلفة من الزليج الجزائري، المياه العذبة تصب في حوض من الرخام مختلف الألوان، بين الأزرق والأخضر والأبيض، وبناؤها يتميز بتصميم محكم وجميل، يعود للفترة العثمانية، حيث تضم العيون حكايات ودلالات ضاربة في عمق التاريخ الجزائري.

ويقول الشيخ المحروسة، باحث في التراث،  في إفادة لـ”الإخبارية”، حول العيون الموجودة بالقصبة، أن هذه المنابع لها دلالات كبيرة، حيث  تعود إلى القرون 11، 12، 13 وحتى 18، أين كان السكان بالقصبة يلجؤون إلى الوديان من أجل جلب المياه، وبعد بناء تلك المنابع والعيون، أصبحت مصدرًا للعائلات لجلب المياه، باعتبار أن عددًا من بيوت القصبة لا يوجد بها آبار.

المتحف الوطني “علي لبوانت”.. رمز المقاومة والبطولة

ولا يمكن لزائر القصبة أن يتجول عبر أزقتها دون أن يدخل إلى المتحف الوطني “علي لبوانت”، رمز المقاومة والبطولة ومن منا لا يعرف “علي لبوانت”، وعند مدخل المتحف، تجد صورًا عديدة لمعركة الجزائر وأخرى للشهداء منهم علي لبوانت، حسيبة بن بوعلي، حميدي محمود، وغيرهم ممن شاركوا في معركة الجزائر الخالدة عبر التاريخ.

ويضم المتحف أيضًا صورًا نادرة وثمينة التقطت إبان الثورة التحريرية خلال معركة الجزائر، وأنت تتجول عبر أركانه “تفوح” رائحة البطولة والمقاومة وحب الوطن عبر كل أرجاء المتحف، وتشعر بعظمة من ضحوا من أجل الجزائر والاستقلال ورفضوا الاستسلام حتى آخر نفس وصنعوا أعظم صور البطولة والمقاومة.

الصناعات التقليدية بالقصبة.. “مقاومة” ضد الاندثار

عبر كافة أزقة حي القصبة العريق، لا يخلو مكان من ورشة للصناعات التقليدية الأثرية الجزائرية، على غرار “النحت على الخشب والنحاس، والألبسة التقليدية والأواني التقليدية الجزائرية، هذه الحرف التي تأبى الاندثار بفضل تصميم وإرادة الحرفيين بالقصبة على إبقائها على مر الأزمنة والعصور فهي بمثابة “أمانة” تركها الأسلاف للأجيال القادمة وجب عليهم الحفاظ عليها – وهو ما يؤكده الحرفي “محمد”، عامل بورشة النحت على الخشب بحي القصبة العريق.

ويسعى الحرفيين بالقصبة على غرار النقش على الأواني النحاسية على إبقاء هذه الحرفة على مر الأزمنة، وفي هذا السياق، يقول “علي” صاحب ورشة النقش على الأواني النحاسية بالقصبة لـ”الإخبارية”، أن الحرفة ورثها من والده وجده، ويحاول بقدر المستطاع الحفاظ على الأمانة ويتطلع ليكون له محل خاص به يبدع وينقل هذه الحرفة للأجيال القادمة.

ويؤكد الحرفي “علي”، أن السياح الأجانب عندما يزورون القصبة يقصدون ورشته من أجل أخذ هدايا عديدة وذكرى من القصبة، وينبهرون لجمال هذه الحرف التقليدية بالقصبة – على حد تعبيره-.

كما تنتشر حرفة أخرى بالقصبة تتمثل في صناعة وخياطة الأحذية التقليدية، أحذية مصنوعة من المنتوج الجزائري، ويؤكد سعيد وهو شاب حرفي لـ”الإخبارية”، أن “اقتناء الأحذية المصنوعة محليًا تعرف إقبالًا كبيرًا من طرف الجزائريين”، مشيرًا إلى أن “هذه المهنة ورثها عن آبائه وأجداده ويحاول الحفاظ عليها من الاندثار”.

أرقام “هامة” وتطلعات لارتفاع عدد السياح

وكشف حمور ماهر، مستشار وخبير سياحي ورئيس المنظمة الجزائرية للسياحة، أن قصبة الجزائر تستقطب زوارًا من الجزائر وخارجها، حيث بلغ عدد الجزائريين الذين توافدوا على القصبة من الفترة الممتدة من شهر نوفمبر إلى مارس من السنة الماضية 30 ألف، و3 آلاف سائح أجنبي من جنسيات أوربية وآسيوية .

وأوضح حمور في إفادة لـ”الإخبارية”، أن عملية ترميم القصبة المعلم التاريخي والثقافي جارية أشغالها، مثمنًا مجهودات الدولة التي تقوم بها، في سياق الاهتمام بهذا المعلم السياحي، مشددًا على ضرورة تكاثف الجهود من الوزارات المكلفة بالعملية، على غرار وزارة السياحة، الثقافة والمجاهدين، بالنظر للمكانة التاريخية للقصبة.

وفي السياق، يؤكد لاجي خالد، ناشط سياحي، أن قصبة الجزائر وصل صيتها للعالمية من خلال تراثها وتصنيفها عالميًا من طرف اليونسيكو، ما يستوجب تكاثف الجهود من أجل الوقوف عند كل النقائص.

وأشاد المختص ذاته، في إفادة لـ”الإخبارية”، بعمليات الترميم التي تقوم بها السلطات على مستوى القصبة والتي ستحول المكان إلى مقصد السياح الأجانب بامتياز.

أشغال ترميم القصبة فاقت الـ80 في المائة بمعظم المعالم

وضمن المجهودات التي تبذلها الدولة والحكومة ممثلة في القطاعات المعنية بعملية ترميم القصبة، في إطار دعم القطاع السياحي والنهوض به، ثمن أرمولي بلال، أستاذ محاضر بالمدرسة العليا للفنون الجميلة، مختص في حفظ التراث الثقافي والآثار، الجهود التي تبذلها الدولة للنهوض بالقطاع السياحي بالعاصمة، والمشاريع التي مست القصور والمساجد.

وأوضح أرمولي، في تصريح لـ”الإخبارية”، أن أغلبية المساجد تم استكمال عملية الترميمات الخاصة بها على غرار مسجد كتشاوة، مسجد البراني ومسجد الجديد داخل قلعة دار السلطان، بالإضافة إلى العديد من القصور وبعض المباني على مستوى شارع الأخوة بين كتشاوة وجامع اليهود، وقصر بالي حسين باشا، وأن العملية جارية وتقارب على الانتهاء – حسبه -.

وأضاف المسؤول ذاته، إن الأشغال بدار السلطان، قصر الداي، التي احتضنت حادثة المروحة، بلغت 80 في المائة، ومجمع قصر القصور البايات بلغت نسبة الأشغال به 80 في المائة، في حين انتهت الأشغال بمصنع البارود وسيتم تسليمه قريبًا، مشيرًا إلى أنه سيتم تحويله إلى متحف.

مجهودات “جبارة” وتقدم كبير في الأشغال

وتشهد الأشغال الجارية على مستوى أزقة حي القصبة العتيق بالجزائر العاصمة، “تقدمًا كبيرًا”، وهو ما أكده، سعيد قلال، مستشار على مستوى ديوان والي ولاية الجزائر مكلف بالقصبة والتراث، مشددًا على أن ولاية الجزائر تحرص على ترميم وإعادة تأهيل كل المعالم الأثرية والتاريخية الموجودة على مستوى القصبة.

وكشف المسؤول ذاته، في تصريح خص به “الإخبارية”، عن تسليم العديد من مشاريع الترميم وهي حاليًا مفتوحة للزوار، على غرار “مسجد الداي” و”دار البارود”، وكذا “جامع البراني” الواقع خارج القلعة عند مدخلها والذي تم تسليم قاعة الصلاة فيه في حين ستفتح اثنتين من الدويرات التابعة له في جويلية المقبل.

كما أشار المسؤول ذاته، إلى أن أشغال ترميم “قصر الداي” و”قصر البايات” عرفت الأشغال به نسبة “هامة” ويرتقب تسليمهما خلال شهر ديسمبر المقبل.

وشدد المسؤول ذاته، أنه يقصد السياح خاصة الأجانب منهم القصبة العريقة بهدف التمتع بعمرانها الفريد وتقاليدها الضاربة في عمق التاريخ، وكذا إطلالاتها الساحرة على البحر وتراثها الكبير الذي يحكي تاريخ الجزائر وعبق الزمن الجميل.

ميزانية “ضخمة”.. السياحة تحت المجهر

وكشف سعيد قلال، عن حجم الميزانية المخصصة لترميم القصبة، حيث “تم تخصيص مبلغ 24 مليار دج من ميزانية الدولة إضافة إلى 5 ملايير دج من ميزانية الولاية لتنفيذ المخطط الدائم لحفظ وتثمين القطاع المحفوظ لقصبة الجزائر الذي تمت المصادقة عليه في 2012.

ونوه المسؤول ذاته إلى أن مصالح ولاية الجزائر المكلفة بأشغال الترميم ، تبذل جهودًا كبيرة أيضًا في ترميم معالم أخرى خارجها تدخل أيضًا في محيط القصبة، حيث ينجز مخطط ترميم القصبة من طرف مكاتب دراسات جزائرية، وتضم مهندسين معماريين معتمدين من طرف وزارة الثقافة والفنون ومختصين في التراث.

العلامة الكاملة لعمال النظافة

ويسعى عمال النظافة التابعين لمؤسسة “نات كوم،” على مدار اليوم على نظافة  الحي العريق، في ظرف صعب وخاص بحكم ضيق الأزقة التي تمنع مرور السيارات أو حتى حافلات التنظيف، مما اضطر عمال النظافة إلى استخدام الحمير لنقل النفايات وتنظيف الأزقة والأحياء بالقصبة.

ويؤكد مسؤول بوحدة “نات كوم” ببلدية القصبة لـ”الإخبارية”، أن عملية تنظيف أحياء القصبة تتم بشكل يومي ودوري عبر نظامين يتعلق الأمر بالفترة الصباحية والمسائية، بتسخير حيوانات لحمل النفايات، بالإضافة إلى أعوان النظافة.

وساهم عمال النظافة الذين يستحقون العلامة الكاملة والاحترام والتقدير، في الحفاظ على بريق القصبة ونظافتها، ورسم أجمل صور لازقتها التاريخية العريقة، لا سيما وأنها تعطي المظهر المشرف للعاصمة والصورة الجميلة لحي القصبة العريق.

وفي الأخير، جدد المختصون وخبراء السياحة الذين تحدثت إليهم “الإخبارية” من خلال هذا الروبورتاج، ومن منبر “الجريدة” دعوتهم إلى الحفاظ على هذا الصرح الثقافي التراثي العريق، وتجديد مخطط خاص للحفاظ على هذا الموروث الجزائري العريق، الذي يستقطب ملايين السياح إليه ويعد من أهم المقومات السياحية التي تزخر بها الجزائر.

شارك برأيك

هل سينجح “بيتكوفيتش” في إعادة “الخضر” إلى سكّة الانتصارات والتتويجات؟

scroll top